الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
447
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
من عادة العرب أن يذبحوا القرابين لأصنامهم ، ويأكلوا من لحومها للتبرك بها ، وكان هذا جزءا من عبادتهم الأصنام ، لذلك يبدأ القرآن بالقول : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين . أي أن الإيمان ليس مجرد قول وادعاء وعقيدة ونظرية ، بل لابد أن يظهر على صعيد العمل أيضا ، فالذي يؤمن بالله يأكل من هذه اللحوم فقط . بديهي أن الفعل " كلوا " لا يعني الوجوب ، بل يعني إباحة أكلها وحرمة أكل ما عداها . ومن هذا يتبين أن حرمة الذبائح التي لم يذكر اسم الله عليها ، ليست من وجهة النظر الصحية حتى يقال : ما الفائدة الصحية من ذكر اسم الله على الذبيحة بل لها خلفية أخلاقية ومعنوية وتستهدف تثبيت قواعد التوحيد وعبودية الله الواحد الأحد . الآية التالية تورد هذا الموضوع نفسه بعبارة مغايرة مع مزيد من الاستدلال ، فتقول : لم لا تأكلون من اللحوم التي ذكر اسم الله عليها ، في الوقت الذي بين الله لكم ما حرم عليكم ؟ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم . مرة أخرى نشير إلى أن التوبيخ والتوكيد ليسا من أجل ترك أكل اللحم الحلال ، بل الهدف هو أن هذه هي التي ينبغي أن تأكلوا منها ، لا من غيرها ، وبعبارة أخرى : التوكيد يكون هنا على النقطة المقابلة لمفهوم العبارة ، من هنا استدل على ذلك بالقول : قد فصل لكم ما حرم عليكم . أما موضع هذا التفصيل فقد يتصور البعض أنه في سورة المائدة ، أو في آيات من هذه السورة ( الأنعام ، 145 ) . ولما كانت هذه السورة قد نزلت في مكة ، وسورة المائدة نزلت بالمدينة ، والآيات التالية من هذه السورة لم تكن قد نزلت بعد فإن أيا من هذين